الخليل الفراهيدي
131
المنظومة النحوية
لنذهب إلى بعض النحاة لنعرض رأيهم ثم نعود إلى الخليل مرة أخرى يقول الرضى « 1 » « واعلم أن التعجب انفعال يعرض للنفس عند الشعور بأمر يخفى سببه ، ولهذا قيل إذا ظهر السبب بطل العجب » هل يمكن أن يكون هذا الانفعال نوعا من المدح أو الذم حيث يكون الشعور رضا أو غضبا . يقول ابن يعيش : « 2 » « اعلم أن التعجب معنى يحصل عند المتعجب عند مشاهدة ما يجهل سببه ، ويقل في العادة وجود مثله ، وذلك المعنى كالدهش والحيرة » هل يكون معنى الدهش والحيرة المشار إليهما نوعا من المدح أو الذم ؟ يشير سيبويه إلى المثال الذي يقول : ( ما أحسن عبد اللّه ! ) ثم يقول « 3 » : « زعم الخليل أنه بمنزلة قولك : ( شئ أحسن عبد اللّه ) ، ودخله معنى التعجب . وهذا تمثيل ، ولم يتكلم به » هل يمكن الإحساس بالمدح في مثل هذا المثال ، ويكون الإحساس بالذم في مثل قولنا : ( ما أسوأ هذا الطقس ! ) مثلا . لعل ما أورده المبرد من هذا القبيل حينما يقول « 4 » : « فإن قال قائل : أرأيت قولك : ( ما أحسن زيدا ! ) ، أليس في التقدير والإعمال - لا في التعجب - بمنزلة قولك : ( شئ حسّن زيدا ) ، فكيف تقول هذا في قولك : ( ما أعظم اللّه يا فتى ! ) وما أكبر اللّه ! ؟ قيل له : التقدير على ما وصفت لك . والمعنى : ( شئ عظّم اللّه يا فتى ) ، وذلك الشئ الناس الذين يصفونه بالعظمة ، كقولك : ( كبّرت كبيرا ) و ( عظّمت عظيما ) وما وصف الناس هذا إلّا نوع من المدح والتعظيم للمولى - عزّ وجل . ولعل تفسير الخليل وتعليقه في كتاب ( الجمل ) على المثال نفسه الذي أورده في الكتاب يقربنا من تلك الدلالة . يقول الخليل « 5 » : « قولهم : ( ما أحسن زيدا ! ) ، ( وما أكرم عمرا ! ) ، وهو في التّمثال بمنزلة الفاعل والمفعول به . كأنه قال : ( شئ حسّن زيدا ) . وحدّ التعجب ما يجده الإنسان من نفسه عند خروج الشئ من عادته » ونحن نعلم أن خروج الشئ من عادته إنما يكون خروجا
--> ( 1 ) شرح الكافية 2 / 307 . ( 2 ) شرح المفصل 7 / 142 . ( 3 ) الكتاب 1 / 72 . ( 4 ) المقتضب 4 / 176 . ( 5 ) الجمل 49 .